أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

560

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

فيما تقدم : من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره ، وأما الجاهل باللّه فلا يشعر باللطف إلا إذا كان حسيّا ظاهرا جليّا ، ولذلك قال الشيخ في هذه المناجاة تواضعا وتنزلا : إلهي ما ألطفك بي مع عظيم جهلي ، حيث جهلت لطفك الخفي وطلبت لطفك الجلي ، ولو عاملنا الحق تعالى بمقتضى جهلنا لنزع لطفه الخفي عنا وتركنا مع مرادنا ، ولكنه سبحانه حليم فلم يعاملنا بمقتضى جهلنا ، فلطف بنا مع عظيم جهلنا ، ولذلك تعجب الشيخ من شدة لطف اللّه به مع عظيم جهله ، وهذا كما قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه إذا سألت اللّه العافية فاطلبها من حيث تعلم أنها لك عافية ، وقال أيضا : في مرضه حين قال له إنسان : أسأل اللّه لك العافية ، قال له : ما أنا فيه هو العافية ، وقد سأل العافية أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه فمات مسموما ، وسألها عمر رضي اللّه تعالى عنه فمات مطعونا ، وسألها عثمان رضي اللّه تعالى عنه فمات مذبوحا ، وسألها علي رضي اللّه تعالى عنه فمات مقتولا ، انتهى . فالعافية واللطف هو الرضا والتسليم ، وسكون القلب عند مجاري الأقدار ، والرحمة هي اللطف والمحبة والتقريب ، فالحق تعالى يريد أن يقرب عبده إليه ، ويطوي مسافة البعد بينه وبينه بما يسلط عليه من إذاية الخلق والفقر والأمراض ، وغير ذلك مما يؤلم النفس . ثم إن العبد يفر منها ، ويسأل اللّه أن يبعده منها ، لأجل جهله وقبيح فعله ، ولذلك ورد في بعض الأخبار : يقول اللّه تعالى : يا عبدي كيف أرحمك بدفع ما به أرحمك ؟ أو كما قال ، وهذا معنى قوله : إلهي ما أرحمك بي مع قبيح فعلى ، وهو هروبي مما به رحمتي . ويحتمل أن يريد بقبيح الفعل الذنوب والمعاصي فإنها توجب المقت والبعد ، فلو عاملنا بمقتضى فعلنا الذميم لأذاقنا من بأسه الأليم ، لكن رحمة الرحمن الرحيم ، غلبت عذابه الأليم . أوحى اللّه تعالى إلى سيدنا موسى عليه السلام : يا موسى خاطب المذنبين باللطف واللين ، وادعهم إلى بالقول الجميل ، ورغبهم في النعيم المقيم ، ولا تغلظ عليهم ،